الوِصال الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، معدن الحقيقة، وسرّ الوصال، ومشرق الأنوار الإلهية، وعلى آله وصحبه ومن سار على درب الإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن من أعظم الأصول التي قامت عليها مدارس التربية الروحية والتصوف السني عبر القرون:
«الرابطة الشريفة»
أو ما يُصطلح عليه تجديديًا عندنا بالطريقة القادرية الرازقية المباركة بـ:
«الوِصال الشريف»
وقد جعلها شيخنا المربي الحاضر رابعَ ثوابت السلوك في الطريقة القادرية الرازقية المباركة، بعد: العهد، والذكر، والصحبة، لما لها من أثرٍ عظيم في: جمع الهمة، وحضور القلب، وربط السالك بسلسلة التربية والإذن والنور.
فالوِصال ليس مجرد تصورٍ ذهني، ولا تعلقًا صوريًا بالأشخاص، وإنما هو: توجّهٌ روحي، واستمدادٌ معنوي، وحالةُ حضورٍ قلبيٍّ مع سلسلة أهل التربية والإحسان.
وهي عند أهل الله: صرفُ القلب عن علائق الدنيا، وربطُه بمعاني الصفاء والذكر والمحبة، حتى يستقيم في سيره إلى الله تعالى.
أصل الرابطة في القرآن والسنة
وقد أشار القرآن الكريم إلى معنى الصحبة والارتباط بأهل الصدق بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
فالمعية هنا ليست معية الأجساد فقط، بل: معيةُ قلوب، وصحبةُ أرواح، واتصالٌ بأهل النور والهداية.
وقال سيدنا رسول الله ﷺ:
«الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
وقال بعض العارفين بالله:
«القلب إذا تفرقت وجوهه تعطّل سيره، وإذا اجتمعت همته فُتحت له أبواب الحضور».
ولهذا جعل أهل السلوك الرابطة وسيلةً لجمع القلب، وتقوية الحضور، وحفظ السالك من التشتت والغفلة.
وقد قال الشيخ خالد النقشبندي رحمه الله:
«الرابطة من أعظم أسباب الوصول بعد التمسك بالكتاب والسنة».
معنى الوِصال في المنهج القادري الرازقي
وفي الطريقة القادرية الرازقية المباركة، الوِصال الشريف هو: محضُ توجّهٍ لروحانية الشيخ الفانية عن شهود نفسها، الباقية بالله تعالى، المتعلقة برب الوجود جلّ شأنه.
يسيح بها السالك في معاني التربية والإحسان، مستمدًا من أنوار السلسلة المباركة، ومتعلقًا بالقلب الجامع الذي جعله الله محلًّا للرحمة التربوية والفتح الروحي.
فهي: ليست عبادةً للشيخ، ولا تأليهًا للأشخاص، وإنما محبةٌ تربوية، وتوسلٌ معنوي، واستمدادٌ من الله تعالى عبر أبواب الإذن والصحبة والنور.
كيفية الوِصال الشريف
يجلس السالك على طهارةٍ كاملة، مستقبلًا القبلة الشريفة، في سكينةٍ وخشوع، جامعًا همته، فارغًا قلبه ما استطاع من شواغل الdunya وخواطرها.
ثم يبدأ بـ:
- قراءة سورة الفاتحة عشرين مرة،
- وآية الكرسي عشرين مرة،
- وسورة الإخلاص أربعين مرة،
- والصلاة الرازقية سبع مرات، وصيغتها هي كالتالي:
اللهم صلِّ على سيدنا محمد معدن الحقيقة، العز المعزوز، بجلال عزتك الباطنة الظاهرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مباركًا إلى يوم الدين.
ثم يقول:
«أستغفر الله العظيم وأتوب إليه» — 70 مرة.
ثم يهب ثواب ما قرأه إلى الحضرة المحمدية، وسلسلة مشايخ الطريقة القادرية الرازقية المباركة، فيقول:
«اللهم بلّغ وأوصل ثواب ما قرأت، ونور ما تلوت، هديةً واصلةً إلى حضرة الحبيب المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، وإلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وإلى الإمامين الحسن والحسين رضي الله عنهما، وإلى أئمة أهل البيت الأطهار، وإلى سيدي الشيخ معروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد البغدادي، وإلى الغوث الأعظم سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، وإلى سلسلة مشايخ الطريقة القادرية الرازقية المباركة، وإلى حضرة شيخنا الحاضر المربي العارف مولاي رزقي كمال الشرقاوي القادري، وإلى جميع أولياء الله الصالحين».
ثم يستحضر السالك بقلبه صورة الشيخ المربي الحاضر مولاي رزقي كمال الشرقاوي القادري، ويتصوره بين عينيه بقوة حضورٍ ومحبةٍ وأدب.
ثم يبدأ بالاستمداد الروحي، فيتوجه أولًا إلى الله تعالى ثلاث مرات، طالبًا الفتح والهداية والقبول.
ثم يستمد من الحضرة المحمدية قائلًا:
«مدد يا سيدي يا رسول الله، يا رحمةً للعالمين، يا باب الله الأعظم، بك نتوسل إلى الله تعالى، فاشفع لنا عند المولى الكريم».
ثم يستمد من الغوث الأعظم سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، قائلًا:
«الغوث الغوث يا سيدي عبد القادر، يا سلطان الأولياء، يا إمام العارفين، ساعدني في سلوكي إلى الله تعالى».
ثم يتوجه إلى الشيخ المربي الحاضر قائلًا:
«مدد يا سيدي، مدد يا شيخ التربية والإحسان، يا مولاي رزقي كمال الشرقاوي القادري، أدركني بهمتكم، وأعينوني على مجاهدة نفسي، وعلى الثبات في طريق الله تعالى».
وكل ذلك يكون: في حضورٍ وأدب، وصدقٍ ومحبة، واستحضارٍ لمعاني السلسلة المباركة.
سرّ الوصال وآثاره
وإن لهذا الوصال آثارًا جمة، وفضائل لمة، ومنها أن السالك إذا داوم على الوصال الشريف بصدقٍ وصفاء: اجتمعت همته، وخفّت عنه كثافات النفس، واستنار قلبه، وقويت صلته بالذكر والحضور.
لأن الأرواح عند أهل الله لها تواصلٌ وتعارفٌ بإذن الله تعالى، وقد يفتح الله لبعض السالكين فيجد: سكينةً، أو أنسًا، أو حضورًا، أو انشراحًا، أو معانيَ يعجز اللسان عن وصفها.
وكل ذلك من فضل الله تعالى، لا من استقلال الأرواح أو الأشخاص، فالله وحده هو: النافع، والضار، والمعطي، والفاتح.
الوصال الشريف بين الشريعة والحقيقة
وتؤكد الطريقة القادرية الرازقية المباركة أن الرابطة:
- لا تخرج عن التوحيد،
- ولا تُنافي الكتاب والسنة،
- ولا تقوم على الغلو أو الانفصال عن الشريعة.
بل هي: وسيلةٌ تربويةٌ ذوقية، غرضها: جمع القلب على الله، ورفع الهمة، وتقوية الحضور، والثبات في طريق الإحسان.
فالرابطة الشريفة أو الوصال الشريف هي:
رابعُ ثوابت السلوك في المنهج القادري الرازقي،
وبابٌ من أبواب الحضور والتربية والاستمداد الروحي.
وهي صلةٌ معنويةٌ بسلسلة النور والإذن الممتدة من الحضرة الإلهية، إلى الحضرة المحمدية، إلى أولياء الله العارفين، حتى الشيخ المربي الحاضر.
ومن داوم عليها بأدبٍ وصفاءٍ وصدق، فتح الله له من معاني السكينة والقرب والأنوار ما يحيي قلبه، ويثبّت روحه، ويجعله أكثر حضورًا مع الله تعالى.
ومن الله وحده التوفيق والهداية.
