المجاهدة

← العودة إلى ثوابت السلوك

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، إمام المجاهدين لأنفسهم، وسيد أهل الصبر واليقين، وعلى آله وصحبه الذين زكّوا نفوسهم بأنوار الطاعة والإحسان حتى صاروا مشاعل هدايةٍ ورحمةٍ للعالمين.

أما بعد، فإن الطريق إلى الله تعالى لم يكن يومًا طريقَ راحةٍ للنفس، ولا ميدانَ استجابةٍ للأهواء والشهوات، وإنما كان: طريقَ تهذيب، وتصفية، وتحريرٍ للروح من أسر النفس وظلماتها.

ومن هنا جاءت:

«المجاهدة»

سادسَ ثوابت السلوك التي سطرها الشيخ المربي الحاضر في الطريقة القادرية الرازقية المباركة، باعتبارها ركنًا عظيمًا من أركان التربية الروحية، لأن النفس البشرية لا تنتقل من حضيض الغفلة إلى أنوار المعرفة إلا بالمجاهدة والصبر والثبات.

وقد قال الله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

فجعل سبحانه الهداية ثمرةً للمجاهدة، لأن القلب لا يُفتح له باب النور حتى يُجاهد ظلمات النفس والهوى.

وقال جل شأنه:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى • فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

معنى المجاهدة

والمجاهدة عند أهل التربية والسلوك والتقوى والعرفان ليست تعذيبًا للنفس، ولا حربًا مع فطرة الإنسان، ولا رفضًا لجماليات الحياة، وإنما هي: تربيةُ النفس على التوازن، وتحريرُ القلب من سيطرة الشهوات، وتقويمُ الباطن حتى يعود إلى فطرته النقية.

فالنفس بطبعها: تميل إلى الراحة، وتحب الغفلة، وتتعلق بالدنيا، وتفرّ من الانضباط والمراقبة.

فإذا تُركت دون مجاهدة، قادت صاحبها إلى: الكسل، والغفلة، والتشتت، والقسوة، والبعد عن الله تعالى.

أما إذا جاهدها السالك: بالذكر، والأدب، والصحبة، والاستقامة، بدأ نور القلب يظهر شيئًا فشيئًا.

وقد قال بعض العارفين بالله:

«من ملك نفسه عند شهواتها، ملك قلبه عند ربه».

المجاهدة في ميزان التصوف السني

وقد اعتبر أهل الإحسان المجاهدة أساسًا لكل تربيةٍ صحيحة، لأن الطريق ليس دعوى تُقال، بل: تحوّلٌ داخلي، وصبرٌ طويل، وثباتٌ على الطاعة.

وقال سيدنا الإمام الجنيد رضي الله عنه:

«ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، وإنما أخذناه بالجوع والسهر ومجاهدة النفس».

وقال سيدي أبو يزيد البسطامي:

«سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك».

أي: أن النفس في بدايات السلوك تثقل عليها الطاعة والانضباط، ثم إذا صفا القلب أصبحت الطاعة أنسًا، والذكر راحةً، والقرب من الله حياةً للروح.

المجاهدة في المنهج القادري الرازقي

وفي طريقتنا القادرية الرازقية المباركة، لا تُفهم المجاهدة على أنها انقطاعٌ عن المجتمع أو تشددٌ على النفس، بل: هي تربيةٌ متوازنة، تجمع بين:

  • عمارة الظاهر،
  • ونورانية الباطن،
  • والعمل للدنيا،
  • والاستعداد للآخرة.

فالسالك الرازقي يُجاهد:

  • كِبره،
  • وغضبه،
  • وحسده،
  • وشهواته،
  • وغفلته،
  • وحب الظهور،
  • والتعلق المفرط بالدنيا.

ويجاهد كذلك:

  • لسانه عن الأذى،
  • وعينه عن الحرام،
  • وقلبه عن القسوة،
  • ونفسه عن التكبر على الخلق.

لأن المجاهدة الحقيقية ليست في المظاهر، بل: في إصلاح الداخل.

المجاهدة والصبر على الطريق

ويرى أهل التربية أن السالك لا يمكن أن يثبت في الطريق دون صبر، لأن النفس تتقلب، والإنسان يمرّ:

  • بلحظات قوة وضعف،
  • وحضور وغفلة،
  • وانشراح وضيق.

ولهذا كانت المجاهدة: ثباتًا عند الفتور، واستمرارًا رغم التعب، وملازمةً للطريق حتى في أوقات الجفاف الروحي.

وقد قال بعض العارفين:

«من لم يصبر على مرارة المجاهدة، بقي أسير شهوته».

وقال غوث الطريقة سيدنا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:

«جاهد نفسك بسيف المخالفة، وافتح قلبك بمفاتيح الذكر».

المجاهدة والرحمة

ومع ذلك، فإن الطريقة القادرية الرازقية المباركة تؤكد أن المجاهدة: ليست قسوةً على النفس، ولا تعنيفًا للروح، ولا تشددًا يُخرج الإنسان عن الاعتدال.

بل هي: تربيةٌ برحمة، وسيرٌ بحكمة، وتدرّجٌ في إصلاح النفس.

لأن الله تعالى يقول:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾

فالغاية من المجاهدة ليست كسر الإنسان، وإنما: تحريره من عبودية الهوى، حتى يصير قلبه أكثر صفاءً ورحمةً واتزانًا.

المجاهدة في هذا الزمان

وترى الطريقة أن مجاهدة هذا العصر أصبحت أشد من كثيرٍ من الأزمنة السابقة، بسبب:

  • كثرة الفتن،
  • وضجيج العالم،
  • وسيطرة الماديات،
  • وفساد الصور والمعاني،
  • وتشتت القلوب بسبب التكنولوجيا والانشغال الدائم.

ولهذا فإن مجاهدة النفس اليوم: ليست فقط في الخلوات، بل في: حفظ القلب وسط الزحام، وصيانة الروح وسط الفتن، والثبات على الذكر والأدب في زمن الغفلة الكبرى.

فالمجاهدة في المنهج القادري الرازقي هي:
رحلةُ تحريرٍ للروح من أسر النفس،
وتربيةٌ للقلب على الصبر والذكر والاستقامة،
وسيرٌ متوازنٌ نحو الله تعالى.

وهي ليست رفضًا للحياة، بل: إعادةُ توازنٍ للإنسان، حتى يعيش الدنيا بقلبٍ حاضر، وروحٍ صافية، ونفسٍ مطمئنة، وسلوكٍ رحيمٍ متزن.

ومن جاهد نفسه لله، فتح الله له أبواب النور والسكينة والمعرفة، لأن: المجاهدة بدايةُ الطريق، والفتح ثمرةُ الصدق والثبات.

ومن الله وحده التوفيق والهداية.

العودة إلى ثوابت السلوك