بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذاكر لربه آناء الليل وأطراف النهار، ومعدن الأسرار والأنوار، وعلى آله وصحبه ومن سار على درب الإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن أعظم ما تحيا به الأرواح بعد مواتها، وتستنير به القلوب بعد قسوتها، وتطمئن به النفوس بعد اضطرابها:
«ذكر الله تعالى»
فالذكر هو: حياةُ القلوب، وروحُ الأرواح، وسرُّ الصلة بين العبد وربه.
وقد جعل الله تعالى الذكر من أعظم العبادات وأجلّ القربات، فقال سبحانه:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
وقال جل شأنه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾
وقال سبحانه:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
فجعل سبحانه الذكر سببًا للحضور بعد الغفلة، وللنور بعد الظلمة، وللسكينة بعد التشتت، ولطمأنينة القلب بعد قلق الدنيا وضجيجها.
الذكر في ميزان التصوف السني
وعند أهل الإحسان والتربية، الذكر ليس عبادةً ثانوية، بل: أصلُ الطريق، وقلبُ السلوك، ومفتاحُ أبواب المعرفة بالله تعالى.
وقد قال الإمام الجنيد رضي الله عنه:
«الذكر منشور الولاية، فمن أُعطي الذكر فقد أُعطي المنشور».
وقال سيدي أبو مدين الغوث:
«ما لزم عبدٌ باب الذكر إلا فُتحت له أبواب الحضور».
لأن القلب إذا خلا من الذكر قسا، وإذا عمر بذكر الله لان، وإذا داوم على الذكر استنار، حتى يصير العبد حاضرًا مع الله تعالى في ظاهره وباطنه.
ولهذا كان سيدنا رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، حتى وصفه الله تعالى بقوله:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
فالذكر في حقيقته: اتباعٌ للنور المحمدي، وسيرٌ على هدي الحضرة النبوية في دوام الاتصال بالله تعالى.
الذكر في المنهج القادري الرازقي
وفي الطريقة القادرية الرازقية المباركة، جعل الشيخ المربي الحاضر الذكرَ ثانيَ ثوابت السلوك بعد العهد، لأن السالك بعد أن يعاهد الله تعالى على السير، يحتاج إلى ما يُحيي قلبه ويُثبته في الطريق، وليس لذلك شيءٌ أعظم من الذكر.
فالذكر في المنهج القادري الرازقي ليس مجرد ترديدٍ لألفاظٍ محفوظة، بل هو: حضورٌ مع الله، واستمدادٌ للنور، وتطهيرٌ للقلب من صدأ الدنيا، وتربيةٌ للنفس على المراقبة والسكينة.
وهو كذلك بابٌ من أبواب: المجاهدة، والانكسار، والأنس بالله تعالى.
لأن الإنسان في هذا الزمن قد أثقلته المادة، وفرّقته الفتن، وأضعفت قلبه سرعة الحياة وضجيجها، فجاء الذكر ليعيده إلى مركزه الروحي، ويوقظ فيه الفطرة التي خُلقت على معرفة الله ومحبته.
الذكر بين اللسان والقلب
وقد بين شيخنا الحاضر قدس الله سره، أن الذكر له مراتب وهي:
- ذكرٌ باللسان،
- ثم ذكرٌ بالقلب،
- ثم حضورٌ يغلب على الروح حتى يصير القلب ذاكرًا وإن سكت اللسان.
وقد قال بعض العارفين بالله:
«ليس الذاكر من قال بلسانه، وإنما الذاكر من استيقظ قلبه بالله».
فالغاية من الذكر ليست كثرة الترديد فقط، وإنما: إحياء القلب، وتنقية الباطن، وربط الإنسان بالله تعالى في كل أحواله.
ولهذا كان أهل التربية يقولون:
«الذكر أوّل الطريق، وبه قوام الطريق، وإليه يعود الطريق».
الذكر وسرّ النور
وفي المنهج القادري الرازقي، يُنظر إلى الذكر باعتباره: نورًا ساريًا في الأرواح، تنتقل بركته عبر الصحبة والإذن والسند الروحي المتصل.
فليس كل ذكرٍ سواء، لأن الذكر إذا اقترن بالإذن، والصدق، والأدب، وحسن التوجه، أثمر في القلب آثارًا من: السكينة، والطمأنينة، والرحمة، والانشراح، والقرب من الله تعالى.
وقد قال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:
«داوموا على ذكر الله، فإن الذكر منشور المحبة بين العبد وربه».
الذكر في مواجهة ظلمة العصر
وترى الطريقة القادرية الرازقية المباركة أن الذكر في هذا الزمن لم يعد نافلةً روحية فحسب، بل أصبح ضرورةً تربويةً وإنسانية، لأن العالم اليوم يعيش:
- قلقًا نفسيًا،
- وفراغًا روحيًا،
- وتشتتًا داخليًا،
- وهيمنةً للمادة على القلب.
فجاء الذكر ليعيد للإنسان: سكينته، وإنسانيته، واتزانه، وحضوره مع الله تعالى.
ولهذا فإن الذكر في المنهج القادري الرازقي ليس هروبًا من الحياة، بل: إصلاحٌ للإنسان داخل الحياة، حتى يعيش الدنيا بقلبٍ موصول بالله تعالى.
فالذكر في منهجنا القادري الرازقي هو:
روحُ الطريق، وحياةُ السلوك، ومفتاحُ الأنوار،
والباب الذي يدخل منه السالك إلى حضرة الصفاء والإحسان.
وهو ليس ألفاظًا تُقال وتُردد، بل: نورٌ يُعاش، وحضورٌ يُذَاق، ورحلةٌ دائمةٌ من الغفلة إلى القرب، ومن اضطراب النفس إلى سكينة الروح.
ومن الله وحده التوفيق والهداية.
