بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، سيد أهل الوفاء، وإمام أهل العهد والصفاء، وعلى آله وصحبه ومن سار على درب الإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن الطريق إلى الله تعالى والسلوك إلى حضرة ملك الملوك، ليس بالقيل ولا القال، ولا يُؤخذ بمشاعرَ عابرةٍ تمرّ بالقلب ثم تنطفئ، وإنما كان منذ فجر الرسالة المحمدية عهدًا بين العبد وربه، وميثاقَ صدقٍ يدخل به الإنسان إلى حضرة الالتزام بعد حياة التردد والتيه والغفلة.
ومن هنا كان:
«العهد»
أولَ أبواب السلوك، وأصلَ الدخول إلى التربية، ومفتاحَ السير في طريق التزكية والإحسان.
فالعهد عند أهل الله ليس انتسابًا لفظيًا، ولا ارتباطًا شكليًّا باسم طريقةٍ أو شيخ، بل هو: تحوّلٌ داخليٌّ عميق، يعلن فيه الإنسان صدقه في طلب الله، واستعداده لمجاهدة نفسه، والسير في طريق الإصلاح والتربية والذكر والأدب.
وقد أشار القرآن الكريم إلى قدسية العهد وعلوّ مقامه في مواضع كثيرة، فقال سبحانه:
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾
وقال جلّ شأنه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ۚ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
وقد نزلت هذه الآية العظيمة في بيعة الصحابة الكرام لسيدنا رسول الله ﷺ تحت شجرة الرضوان، حين مدّوا أيديهم الشريفة في مقام الصدق والثبات، فكانت بيعتهم في ظاهرها لرسول الله ﷺ، وفي حقيقتها عهدًا مع الله تعالى على النصرة والوفاء والاستقامة.
ومن هنا فهم أهل التربية عبر القرون أن العهد في طريق السلوك هو امتدادٌ معنويٌّ لذلك الميثاق النبوي الشريف، من حيث المعنى التربوي والروحي، لا من حيث مقام النبوة الذي خُتم بسيدنا محمد ﷺ.
العهد في ميزان التصوف السني
وقد جرى أهل الإحسان والتزكية على اعتبار العهد: رباطًا تربويًا بين الشيخ والسالك، يدخل به المريد إلى مدرسة التهذيب والسلوك، ملتزمًا بأدب الطريق وثوابته، تحت إشراف شيخٍ مربٍّ مأذونٍ في التربية والإرشاد.
ولم يكن هذا المفهوم بدعةً حادثة، بل هو من صميم التربية الإسلامية، لأن الإنسان بطبعه يحتاج إلى:
- من يذكّره إذا غفل،
- ويقومه إذا انحرف،
- ويأخذ بيده إذا ضعفت نفسه،
- ويربطه بالله تعالى في زمن كثرت فيه الفتن وتفرقت فيه القلوب.
وقد قال الإمام الجنيد رضي الله عنه:
«الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول ﷺ».
فالعهد الحقيقي ليس خضوعًا للأشخاص، بل: التزامٌ بمنهج التربية النبوية، وسيرٌ في طريق الأدب والذكر والاستقامة.
العهد في المنهج القادري الرازقي
وفي الطريقة القادرية الرازقية المباركة، يُعتبر العهد: البوابة الأولى للدخول إلى السلوك القادري الرازقي، والميثاق الذي يربط السالك بمنهج التربية والإحسان الذي تقوم عليه الطريقة.
وهو عهدٌ على:
- الذكر،
- والأدب،
- والاستقامة،
- ومحبة الخير للخلق،
- ومجاهدة النفس،
- والصدق مع الله تعالى.
ويُؤخذ هذا العهد في هذا الزمان على يد الشيخ المربي الحاضر، حضرة شيخنا العارف مولاي رزقي كمال الشرقاوي القادري قدس الله سره الشريف: بوصفه حامل الإذن التربوي في هذا الزمان، والقائم على تربية السالكين وربطهم بمعاني الإحسان والرحمة والتزكية.
ويُعتبر هذا الامتداد عند أهل الطريق استمرارًا لسلسلة التربية المحمدية في بعدها السلوكي، حيث ينتقل نور الإرشاد من شيخٍ إلى شيخ، عبر سندٍ روحيٍّ متصل، حتى يصل إلى من أُذن له بالتربية في هذا العصر.
سرّ العهد وأثره في القلب
وإن للعهد أثرًا عظيمًا في حياة السالك، لأنه:
- ينقل الإنسان من التردد إلى الالتزام،
- ومن الفوضى النفسية إلى الانضباط الروحي،
- ومن الغفلة إلى الحضور مع الله تعالى.
فإذا صدق العبد في عهده، فتح الله له أبواب التوفيق، وأمدّه بأنوار الثبات والسكينة.
وقد قال بعض العارفين بالله:
«من صحّ عهده، صفت وِجهته».
وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه:
«إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، ألزمه باب الأدب والافتقار».
لأن العهد في حقيقته ليس تشريفًا، بل: بدايةُ مجاهدة، ودخولٌ إلى مدرسة التزكية، وتحمّلٌ لمسؤولية السير إلى الله تعالى.
العهد ليس عصمةً ولا ادعاء
وتؤكد الطريقة القادرية الرازقية المباركة أن العهد:
- لا يخرج الإنسان عن بشريته،
- ولا يجعله معصومًا من الخطأ،
- ولا يعني الكمال الفوري.
وإنما هو: إعلانُ نيةٍ صادقة للسير، ودخولٌ في مقام التربية، ورغبةٌ في إصلاح القلب والنفس والسلوك.
فالغاية من العهد ليست صناعة صورةٍ ظاهرية، بل: إحياء القلب، وتهذيب الروح، وبناء إنسانٍ صالحٍ لنفسه، مصلحٍ لمحيطه، رحيمٍ بالعالمين.
فالعهد في المنهج القادري الرازقي هو:
ميثاقُ صدقٍ روحي، وامتدادٌ لمعنى البيعة النبوية في بعدها التربوي،
ورباطٌ يدخل به السالك إلى حضرة الذكر والإحسان والأدب.
وهو أولُ أبواب الطريق، لأن من لا عهد له لا ثبات له، ومن لا ثبات له لا وصول له إلى معاني الصفاء والقرب.
ومن هنا يبدأ السالك رحلته: بعهدٍ، ثم ذكرٍ، ثم صحبةٍ، ثم مجاهدةٍ، حتى يُشرق قلبه بأنوار الهداية، ويصير من أهل الرحمة والإحسان.
ومن الله وحده التوفيق والهداية.
