الآداب

← العودة إلى ثوابت السلوك

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، سيد أهل الأدب والكمال، ومعدن الأخلاق والجمال، وعلى آله وصحبه الذين رباهم على عين الأدب الإلهي حتى صاروا نجوم الهداية وأئمة الإحسان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن من أعظم ما قامت عليه طرق التربية والسلوك، وأجلّ ما اعتنى به أهل الله والعارفون عبر القرون:

«الأدب»

بل إن الأدب عند أهل التحقيق والطريق هو: أصلُ الطريق، وروحُ السلوك، ومفتاحُ القبول، وسرُّ الفتح والوصول.

ولهذا جعل شيخنا المربي الحاضر «الآداب» خامسَ ثوابت السلوك في الطريقة القادرية الرازقية المباركة، لأن السالك مهما أكثر من: الذكر، والعبادة، والخلوة، والمجاهدة، فإنه إن فقد الأدب، فقد روح الطريق كلها.

وقد قال أهل الله:

«التصوف كله أدب».

وقال سيدي أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه:

«التصوف أدب، ولكل وقتٍ أدب، ولكل حالٍ أدب، ولكل مقامٍ أدب».

وقال سيدي ابن المبارك رحمه الله:

«نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم».

لأن الأدب هو الذي: يحفظ النور، ويصون القلب، ويرفع السالك إلى مقامات القرب والقبول.

الأدب في القرآن والسنة

وقد امتلأ القرآن الكريم والسنة النبوية بمعاني الأدب في أعلى صوره.

فقال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

وقال سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾

فهذه الآيات ليست مجرد أحكامٍ ظاهرية، بل: تربيةٌ للأرواح على الهيبة، والتعظيم، وحسن الحضور.

وقد قال سيدنا رسول الله ﷺ:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

فكان ﷺ: أعظم الناس أدبًا، وأشدهم تواضعًا، وألينهم رحمةً، حتى صار الأدب المحمدي أصل كل تربيةٍ روحية صحيحة.

الأدب أصل السلوك

وفي منهاج طريقتنا القادرية الرازقية المباركة أن: من لا أدب له، لا سلوك له.

لأن الطريق إلى الله تعالى لا يُفتح: بالدعوى، ولا بكثرة الكلام، ولا بادعاء الأحوال والمقامات، وإنما يُفتح: بالأدب، والصدق، والتواضع، وحسن المعاملة.

وقد قال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:

«الأدب في الطريق كالرأس في الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد».

ولهذا كان أهل الله يقدّمون الأدب على الأوراد، لأن: الذكر بلا أدب قد يورث العُجب، والعلم بلا أدب قد يورث الكِبر، أما الأدب فإنه يحفظ القلب من آفات النفس.

الأدب مع الله تعالى

وأول الآداب وأعظمها: الأدب مع الله تعالى، وهو:

  • تعظيم أوامره،
  • واجتناب نواهيه،
  • واستحضار مراقبته في السر والعلن،
  • والانكسار بين يديه،
  • وعدم الاعتراض على أقداره.

فالسالك المؤدب مع الله: لا يرى لنفسه حولًا ولا قوة، ويعلم أن الفضل كله لله تعالى.

وقد قال بعض العارفين:

«الأدب مع الله أن تقف حيث أقامك، وترضى بما أقامك فيه».

الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ

ثم يأتي: الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ، وهو:

  • تعظيمه، ومحبته،
  • وكثرة الصلاة والسلام عليه،
  • وتوقير سنته،
  • واستحضار هيبته في القلب.

فهو ﷺ باب الرحمة، ومعدن النور، وسيد أهل الله أجمعين.

وقد كان السلف الصالح إذا ذُكر النبي ﷺ خشعت قلوبهم، وانكسرت أرواحهم، تعظيمًا لمقامه الشريف.

ولهذا يرى شيخنا الحاضر قدست أسراره أن: كل فتحٍ لا يمرّ عبر باب الأدب المحمدي فهو فتحٌ ناقص.

الأدب مع الشيخ المربي الحاضر

ومن أعظم آداب السلوك: الأدب مع الشيخ المربي، لأن الشيخ عند أهل التربية ليس مجرد معلمٍ نظري، بل مربّي أرواح، ودليلُ سلوك، وحاملُ أمانة التربية والإرشاد.

ولهذا كان السالك يتأدب مع شيخه: ظاهرًا وباطنًا، قولًا وفعلًا، حضورًا وغيابًا.

ومن آداب مجالسة الشيخ رضي الله عنه:

  • خفض الصوت في حضرته،
  • وعدم مقاطعته،
  • وحسن الاستماع إليه،
  • والجلوس بأدبٍ وهيبة،
  • وعدم التقدم عليه في الكلام أو الجدال،
  • وتعظيم مجالسه،
  • واستحضار أن مجالس التربية مواطنُ رحمةٍ ونور.

أما الأدب الباطني مع الشيخ فهو:

  • حسن الظن،
  • وصفاء المحبة،
  • وعدم الاعتراض،
  • وحفظ القلب من سوء الخواطر تجاهه.

وقد قال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:

«كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي مغسله».

ومعناه عند أهل التحقيق: كمالُ التسليم في التربية، لا إلغاء العقل أو تعطيل الشريعة، بل: الثقة في توجيه الشيخ المأذون، وحسن التلقي عنه في طريق التهذيب والسلوك.

الأدب مع الفقراء والمريدين

وكذلك من آداب الطريق: الأدب مع الفقراء والمريدين.

فالسالك الحقّ:

  • لا يحتقر أحدًا،
  • ولا يرى نفسه خيرًا من غيره،
  • ولا يتكبر على إخوانه في الطريق.

بل يكون:

  • رحيمًا، لينًا،
  • خادمًا لإخوانه،
  • محبًا لهم،
  • ساترًا لعيوبهم.

لأن القلوب عند الله ليست بالمظاهر، وإنما: بالصدق، والإخلاص، ونور الأدب.

الأدب مفتاح الفتح

كثيرًا من السالكين حُرموا الفتح بسبب سوء الأدب، لا بسبب قلة الذكر.

لأن الأدب هو الذي: يحفظ الأنوار، ويهيئ القلب لتلقي الفيض الإلهي.

وقد قال بعض العارفين:

«ربّ عملٍ صغيرٍ عظّمه الأدب، وربّ عملٍ عظيمٍ أفسده سوء الأدب».

ولهذا كان أهل التربية يقولون:

«الطريق كله أدب، فمن زاد عليك في الأدب زاد عليك في القرب».

فالآداب في المنهج القادري الرازقي ليست شكلياتٍ ظاهرية،
بل: حالةٌ روحيةٌ عميقة، وأصلٌ أصيلٌ من أصول السلوك والتربية.

وهي: أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع رسول الله ﷺ، وأدبٌ مع الشيخ، وأدبٌ مع الفقراء والمريدين، وأدبٌ مع النفس والخلق أجمعين.

ومن تحقق بالأدب، فُتحت له أبواب الرحمة والسكينة والقبول، لأن الأدب هو: سرُّ الطريق، وزينةُ السالك، وعلامةُ الصدق في السير إلى الله تعالى.

ومن الله وحده التوفيق والهداية.

العودة إلى ثوابت السلوك