في تاريخ التربية الروحية والسلوك الإحساني، لم يكن وجود الشيخ المربي مجرد حضورٍ بشريٍّ عابر، ولا صورةٍ اجتماعيةٍ تُمارس دور الوعظ والإرشاد فحسب، وإنما كان عند أهل الله موضعَ نظرٍ رباني، ومهبطَ عنايةٍ نورانية، ومرآةً تنعكس عليها آثار التربية المحمدية في كل زمان.
ومن هنا جاء مصطلح:
«الشيخ الحاضر»
وهو من المصطلحات المركزية في الطريقة القادرية الرازقية المباركة، ويُقصد به ظاهرًا: الشيخ الحي الموجود في هذا الزمان، القائم بوظيفة التربية والإرشاد والسلوك.
أما باطنًا، فإن المقصود به عند أهل الطريق: العبد الذي أذن الله له بخدمة الأرواح، وربط القلوب بمعاني الهداية والإحسان، بإذنٍ ممتدٍّ من الحضرة الربانية، ومتصلٍ بالنور المحمدي الشريف، في مقام التربية والتزكية والإصلاح.
فالشيخ الحاضر ليس مجرد ناقلٍ للكلام، بل وارثٌ لمعاني التربية، وحاملٌ لسرِّ التوجيه، ومجددٌ لأنوار السلوك بحسب ما يقتضيه زمانه وأحوال أهله.
وقد جرت سنة الله في عباده أن يجعل لكل عصرٍ رجالًا يُحيي بهم القلوب بعد قسوتها، ويجمع بهم الأرواح بعد تشتتها، مصداقًا لقول سيدنا رسول الله ﷺ:
«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
والتجديد عند أهل البصائر ليس تبديلًا للدين، وإنما إحياءٌ لأنواره، وإعادةُ فتح أبواب الإحسان بعد أن تُغلقها الغفلة والمادية وقسوة الزمن.
ومن هذا المنطلق، فإن الطريقة القادرية الرازقية المباركة تُطلق وصف «الشيخ الحاضر» على شيخها ومربيها: بوصفه القائم في هذا العصر بوظيفة التربية والسلوك داخل هذا المشرب الرازقي، والمشرف على بناء الإنسان روحيًا وأخلاقيًا وتربويًا، وفق أصول المدرسة القادرية السنية ومنهجها الإحساني.
فالشيخ الحاضر عند أهل الطريق ليس غايةً في ذاته، بل دليلٌ إلى الله، ووسيلةُ تربيةٍ وإصلاح، لأن الأرواح كما يقول أهل المعرفة تحتاج في سيرها إلى من يدلها على عيوبها، ويوقظها من غفلتها، ويأخذ بيدها من ظلمة النفس إلى نور المعرفة.
وقد قال الإمام الجنيد رضي الله عنه:
«من لم يكن له أستاذ، فإمامه الشيطان».
وقال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه:
«إذا صحّت لك الصحبة مع أهل الله، نُقلت من طبعك إلى صفاء روحك».
فالشيخ الحاضر في المفهوم الرازقي هو:
- حامل أمانة التربية،
- ومرجع السلوك،
- وموضع الإذن التربوي،
- وحافظ التوازن الروحي للطريقة،
- والقائم على ربط الظاهر بالشريعة، والباطن بالحقيقة.
كما أن حضوره لا يُفهم عند أهل التربية على أنه حضورُ جسدٍ فقط، بل حضورُ أثرٍ ونورٍ وتوجيه، لأن قيمة الشيخ ليست في صورته البشرية المجردة، وإنما فيما يجريه الله على يديه من إصلاحٍ للنفوس، وجمعٍ للقلوب، وإحياءٍ لمعاني الرحمة والمحبة والإحسان.
ولهذا كان المريدون وأهل المحبة ينظرون إلى الشيخ الحاضر باعتباره: أبًا روحيًا، ومربيًا، ودليلَ سلوك، ومرآةً تُذكّر بالله تعالى إذا نُظر إليها.
غير أن الطريقة القادرية الرازقية المباركة تؤكد دائمًا أن التعظيم المشروع للشيخ إنما هو تعظيمٌ لوظيفة التربية والإحسان، لا عبادةٌ للأشخاص ولا غلوٌّ في البشر، لأن الكمال المطلق لله وحده، وكلُّ عبدٍ مهما علت رتبته يبقى فقيرًا إلى مولاه جل جلاله.
فالشيخ عند أهل التصوف السني خادمٌ للطريق لا مالكٌ له، ودالٌّ على الله لا حاجبٌ عنه، ومهمته أن يُخرج الإنسان من عبودية النفس إلى شرف العبودية لله تعالى.
ومن هنا بقي مفهوم «الشيخ الحاضر» داخل الطريقة القادرية الرازقية، مرتبطًا بمعاني:
- الإذن،
- والتربية،
- والتجديد،
- والصحبة،
- والإحسان،
- وربط القلوب بالله تعالى في هذا الزمان.
وفي حضرة الصادقين، يبقى الشيخ المربي شمعةً يُضيء الله بها عتمات الأرواح،
حتى تعود القلوب إلى أصلها الأول:
السكينة، والمحبة، والحضور مع الله تعالى.
